فصل: ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائتين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


الجزء الثالث عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

 ثم دخلت سنة تسعين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ أنه ورد كتاب من الرقة يذكر فيه أن يحيى بن زكرويه بن مهرويه المكنى بأبي القاسم المعروف بالشيخ - وكان من دعاة القرامطة - وافى الرقة في جمع كثير فخرج إليه جماعة من أصحاب السلطان فهزمهم وقتل رئيسهم ‏.‏

وورد الخبر أن جيشًا خرجوا من دمشق إلى القرمطي فهزمهم وقتل رئيسهم فوجه أبو الأغر لحرب القرمطي في عشرة آلاف ‏.‏

ولعشر بقين من جمادى الآخرة خرج المكتفي بعد العصر عامدًا إلى سامرا يريد البناء بها للانتقال إليها فدخلها يوم الخميس لخمس بقين من جمادى ثم انصرف إلى مضارب ضربت له بالجوسق فدعا القاسم بن عبيد الله والقوام بالبناء فقدروا له ما يحتاج إليه من المال وأكثروا عليه وطولوا مدة الفراغ وجعل القاسم يصرفه عن رأيه في ذلك فثناه عن عزمه فعاد ‏.‏

وفي يوم الجمعة لأربع عشرة خلت من شعبان قرئ كتابان في الجامعين بقتل يحيى بن زكرويه الملقب بالشيخ قتله المصريون على باب دمشق بعد أن قتل منهم خلقًا كثيرًا وكسر لهم جيوشًا

وكان يحيى هذا يركب جملًا فإذا أشار بيده إلى ناحية من نواحي محاربيه انهزموا ‏.‏

فافتن بذلك أصحابه فلما قتل عقد أخوه الحسين لنفسه وتسمى بأحمد بن عبد الله وتكنى بأبي العباس ودعا إلى ما كان يدعو إليه أخوه فأجابه أكثر أهل البوادي وقويت شوكته ووصل إلى دمشق فصالحه أهلها على شيء فانصرف عنهم ثم صار إلى أطراف حمص فتغلب عليهم وخطب له على منابرها وتسمى بالمهدي ثم صار إلى حمص فأطاعه أهلها وفتحوا له بابها خوفًا على أنفسهم ثم سار إلى حماة ومعرة النعمان وغيرها فقتل أهلها وسبى النساء والصبيان وسار إلى سلمية فحاربه أهلها ثم وادعهم ودخلها فقتل من بها من بني هاشم ثم قتل البهائم وصبيان الكتاتيب ثم خرج إلى ما حول ذلك يقتل ويسبي ويخيف السبيل ويستبيح وطء نساء الناس وربما أخذ المرأة فوطئها جماعة منهم فتأتي بولد فلا يدرى من أيهم هو فيهنأ به جميعهم‏.‏

ولليلتين خلتا من رمضان أمر المكتفي بإعطاء الجند أرزاقهم والتأهب لحرب القرمطي بناحية الشام فأطلق للجند في دفعة واحدة مائة ألف دينار وكان السبب أن أهل الشام كتبوا إليه يشكون ما يلقون من القرامطة فخرج المكتفي حتى انتهى إلى الرقة فنزلها وسرح إلى القرمطي جيشًا بعد جيش وكان القرمطي يكتب إلى أصحابه‏:‏ من عبد الله أحمد بن عبد الله المهدي المنصور بالله الناصر لدين الله القائم بأمر الله الحاكم بحكم الله الداعي إلى كتاب الله الذاب عن حريم الله المختار من ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏

وكان ينتحل أنه من ولد علي ابن أبي طالب عليه سلام الله ‏.‏

ووقع ثلج ببغداد يوم الرابع والعشرين من كانون الثاني منذ أول النهار إلى العصر ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمد ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

جعفر بن محمد بن عمران بن بريق أبو الفضل البزاز المخرمي وغلط أبو القاسم الطبراني فقاله‏:‏ بويق بالواو وحدث عن خلف بن هشام روى عنه أحمد بن كامل وكان قد حدث قبل موته بقليل ‏.‏

الحسين بن أحمد بن أبي بشر أبو علي المقرئ السراج من أهل سامرا روى عنه أبو الحسين بن المنادي وقال‏:‏ كان من أفاضل الناس كتب الناس عنه توفي بسرمن رأى ليلة عرفة من هذه السنة ‏.‏

عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الرحمن الشيباني سمع أباه وعبد الأعلى بن حماد وكامل بن طلحة ويحيى بن معين وخلقًا كثيرًا روى عنه البغوي وان المنادي والخلال وكان حافظًا ثقة ثبتًا وكان أحمد يقول‏:‏ ابني محظوظ من علم الحديث ‏.‏

وقال ابن المنادي‏:‏ لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه منه لأنه سمع ‏"‏ المسند ‏"‏ وهو ثلاثون ألفًا و ‏"‏ التفسير ‏"‏ وهو مائة وعشرون ألفًا سمع منها ثمانين والباقي إجازة وسمع ‏"‏ الناسخ والمنسوخ ‏"‏ و ‏"‏ التاريخ ‏"‏ و ‏"‏ حديث شعبة ‏"‏ و ‏"‏ المقدم والمؤخر في كتاب الله تعالى ‏"‏ و ‏"‏ جوابات القرآن ‏"‏ و ‏"‏ المناسك الكبير والصغير ‏"‏ وغير ذلك من التصانيف وحديث الشيوخ ‏.‏

قال‏:‏ وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال وعلل الحديث والأسماء والكنى والمواظبة على طلب الحديث في العراق وغيرها ويذكرون عن أسلافهم الإقرار له بذلك حتى أن بعضهم أسرف في تقريظه إياه بالمعرفة وزيادة السماع للحديث على أبيه ‏.‏

ولما مرض قيل له‏:‏ أين تحب أن تدفن قال‏:‏ صح عندي أن بالقطيعة نبيًا مدفونًا ولأن أكون في جوار نبي أحب إلي من أن أكون في جوار أبي ‏.‏

وتوفي في جمادى الآخرة لتسع ليال بقين من هذه السنة وكان الجمع كثيرًا فوق المقدار ودفن في مقابر باب التبن وصلى عليه زهير ابن أخيه صالح ‏.‏

عبد الله بن أحمد بن سعيد أبو محمد الرباطي المروزي سافر مع أبي تراب النخشبي وكان الجنيد يمدحه ويقول‏:‏ هو رأس فتيان خراسان وكان كريمًا حسن الخلق ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثنا عبد العزيز بن علي الوراق حدثنا علي بن عبد الله بن الحسن الهمداني حدثنا الخلدي قال‏:‏ حدثني أحمد بن محمد بن زياد قال‏:‏ حدثني مصعب بن أحمد بن مصعب قال‏:‏ قدم أبو محمد المروزي إلى بغداد يريد مكة فكنت أحب أن أصحبه فأتيته فاستأذنته في الصحبة فلم يأذن لي في تلك السنة ثم قدم سنة ثانية وثالثة فأتيته فسلمت عليه وسألته فقال‏:‏ اعزم على شرط يكون أحدنا الأمير لا يخالفه الآخر فقلت‏:‏ أنت الأمير‏!‏ فقال‏:‏ يا أبا محمد لا‏!‏ بل أنت الأمير‏!‏ فقلت‏:‏ أنت أسن وأولى‏!‏ فقال‏:‏ نعم ولا يجب أن تعصيني‏!‏ فقلت‏:‏ نعم‏!‏ فخرجت معه فكان إذا حضر الطعام يؤثرني فإذا عارضته بشيء قال‏:‏ ألم أشترط عليك أن لا تخالفني فكان هذا دأبنا حتى ندمت على صحبته لما يلحق نفسه من الضرر فأصابنا في بعض الأيام مطر شديد ونحن نسير فقال لي‏:‏ يا أبا محمد اطلب الميل فلما رأينا الميل قال لي‏:‏ اقعد في أصله‏!‏ فأقعدني في أصله وجعل يديه على الميل وهو قائم قد حنا علي وعليه كساء قد تجلل به يظللني به من المطر حتى تمنيت أني لم أخرج معه لما يلحق نفسه من الضرر فلم يزل هذا دأبه حتى دخلنا مكة ‏.‏

عمر بن إبراهيم أبو بكر الحافظ المعروف بأبي الآذان سمع وحدث عن جماعة روى عنه ابن قانع وابن المنادي وكان ثقة سكن سر من رأى توفي بها في هذه السنة وله ثلاث وستون سنة

محمد بن إسماعيل بن عامر سكن بغداد وحدث بها عن أحمد بن سنان الواسطي وسري السقطي والربيع بن سليمان المرادي وغيرهم روى عنه أبو عمرو بن السماك وقال‏:‏ سمعنا منه وهو ابن ستين سنة وهو أسود اللحية محمد بن الحسين بن عبد الرحمن أبو العباس الأنماطي سمع داود بن عمرو الضبي ويحيى بن معين وغيرهما روى عنه ابن صاعد وابن مخلد وابن قانع وغيرهم وكان ثقة ثبتًا صالحًا وتوفي في هذه السنة وقيل‏:‏ في سنة ثلاث وتسعين ‏.‏

محمد بن الحسين بن الفرج أبو ميسرة الهمداني كان أحد من يفهم شأن الحديث وصنف مسندًا وحدث عن كامل بن طلحة وطبقته وهو صدوق روى عنه الباغندي وابن قانع ‏.‏

محمد بن عبد الله أبو بكر الزقاق أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي الحافظ قال‏:‏ أخبرنا عبد العزيز بن أبي الحسن قال‏:‏ سمعت ابن جهضم يقول‏:‏ سمعت الحسن ابن أحمد بن عبد العزيز يقول‏:‏ سمعت الزقاق يقول‏:‏ لي سبعون سنة أرب هذا الفقر من لم يصحبه في فقره الورع أكل الحرام النض ‏.‏

قال ابن جهضم‏:‏ وحدثني حسين بن محمد السراج قال‏:‏ قال‏:‏ جنيد‏:‏ رأيت إبليس في منامي وكأنه عريان فقلت له‏:‏ أما تستحي من الناس فقال‏:‏ بالله عندك هؤلاء من الناس لو كانوا من الناس ما تلاعبت بهم كما يتلاعب الصبيان بالكرة ولكن الناس غير هؤلاء‏!‏ فقلت له‏:‏ ومن هم فقال‏:‏ قوم في مسجد الشونيزي قد أضنوا قلبي وأنحلوا جسمي كلما هممت بهم أشاروا إلى الله تعالى فأكاد أحترق‏!‏ قال جنيد‏:‏ فانتبهت ولبست ثيابي وجئت إلى مسجد الشونيزي وعلي ليل فلما دخلت المسجد فإذا أنا بثلاثة أنفس جلوس ورؤوسهم في مرقعاتهم فلما أحسوا بي قد دخلت المسجد أخرج أحدهم رأسه فقال‏:‏ يا أبا القاسم أنت كلما قيل لك شيء تقبل ‏.‏

قال ابن جهضم‏:‏ ذكر لي أبو عبد الله بن خاقان أن الثلاثة الذين كانوا في مسجد الشونيزي‏:‏ أبو حمزة وأبو الحسين النوري وأبو بكر الزقاق ‏.‏

يحيى بن زكرويه القرمطي‏.‏

 ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ وقعة بين أصحاب السلطان وبين القرامطة فهزموا القرامطة وأسروا وقتلوا وتفرق الباقون في البوادي وتبعهم أصحاب السلطان ثم وقعوا بالقرمطي فأخذوه وكان يقال له صاحب الشامة فحمل إلى الرقة ظاهرًا للناس وعليه برنس ثم إن المكتفي رحل إلى بغداد وحمل معه القرمطي في أول صفر فعزم أن يصلب القرمطي على دقل ويجعل الدقل على ظهر فيل فأمر بهدم طاقات الأبواب لئلا ترده ‏.‏

ثم استسمح فعل ذلك ثم جعل له كرسيًا ارتفاعه ذراعان ونصف على ظهر الفيل ودخل المكتفي إلى بغداد والأسرى بين يديه مقيدون ورئيس القوم قد جعل في فيه خشبة مخروطة وشدت إلى قفاه كهيئة اللجام وأمر المكتفي ببناء دكة في المصلى العتيق من الجانب الشرقي ارتفاعها عشرة أذرع وبني لها درج فلما كان يوم الاثنين لسبع بقين من ربيع الأول أمر المكتفي القواد والغلمان بحضور الدكة فحضر الناس وجيء بالأسارى وهم يزيدون على ثلثمائة وجيء بالقرمطي الحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة فصعد به إلى الدكة وقدم له أربعة وثلاثون إنسانًا من الأسارى فقطعت أيديهم وأرجلهم وضربت أعناقهم واحدًا بعد واحد ثم قدم كبيرهم فضرب مائتي سوط وقطعت يداه ورجلاه وكوي ثم أحرق ورفع رأسه على خشبة ثم قتل الباقون وصلب بدن القرمطي في طرف الجسر الأعلى ‏.‏

ولثلاث بقين من رجب قرئ كتاب من خراسان يذكر فيه‏:‏ أن الترك قصدوا المسلمين في جيش عظيم وكان في عسكرهم سبعمائة قبة تركية ولا يكون ذلك إلا للرؤساء منهم فخرج من المسلمين خلق كثير فكبسوهم مع الصبح وانهزم الباقون ‏.‏

وفي شعبان ورد الخبر بأن صاحب الروم وجه عشرة صلبان معها مائة ألف رجل إلى الثغور فأغاروا وسبوا من قدروا عليه من المسلمين وأحرقوا ‏.‏

وفي رمضان ورد الخبر من القاسم بن سيما من الرحبة يذكر أن الأعراب الذين استأمنوا ممن كان مع القرمطي نكثوا وغدروا وعزموا أن يكبسوا الرحبة بوم الفطر عند اشتغال الناس بالصلاة وإني وقعت عليهم وأسرت ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمد ‏.‏

أحمد بن يحيى بن زيد بن يسار أبو العباس الشيباني مولاهم المعروف بثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة ولد سنة مائتين ‏.‏

وسمع إبراهيم بن المنذر ومحمد بن زياد الأعرابي وعبيد الله بن عمر القواريري والزبير بن بكار وغيرهم روى عنه ابن الأنباري وابن عرفة وأبو عمر الزاهد وأبو معشر وغيرهم وكان ثقة حجة دينًا صالحًا مشهورًا بالصدق والحفظ ‏.‏

وكان يقول‏:‏ طلبت العربية واللغة في سنة ست عشرة ومائتين وابتدأت بالنظر في حدود الفراء وسني ثماني عشرة وبلغت خمسًا وعشرين وما بقي علي مسألة للفراء ولا شيء من كتبه إلا وقد حفظته وسمعت من القواريري مائة ألف حديث ‏.‏

قال أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الزهري‏:‏ كان بيني وبين أبي العباس مودة وكيدة وكنت أستشيره في أموري فجئته يومًا أشاوره في الانتقال من محلة إلى أخرى لتأذي الجوار فقال أبا محمد‏:‏ العرب تقول صبرك على أذى من تعرفه خير لك من استحداث من لا تعرف ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أبو بكر بن ثابت الخطيب قال‏:‏ أخبرني أحمد بن علي بن الحسين المحتسب قال‏:‏ أخبرنا أبو عمر أحمد بن محمد بن موسى ابن العلاف قال‏:‏ حدثني أبو عمر الزاهد قال‏:‏ كنت في مجلس أبي العباس ثعلب فسأله سائل عن شيء فقال‏:‏ لا أدري فقال له‏:‏ أتقول لا أدري وإليك تضرب أكباد الإبل وإليك الرحلة من كل بلد فقال له ثعلب‏:‏ لو كان لأمك بعدد ما لا أدري بعر لاستغنت ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطي أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن سليمان الكاتب قال‏:‏ أنشدنا إسحاق بن أحمد الكاذي قال‏:‏ أنشدنا ثعلب‏:‏ بلغت من عمري ثمانينا وكنت لا آمل خمسينا فالحمد لله وشكرًا له إذ زاد في عمري ثلاثينا وأسأل الله بلوغًا إلى مرضاته آمين آمينا توفي ثعلب يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين ومائتين ودفن في مقبرة باب الشام وقبره ظاهر وأدركه صمم في آخر عمره ‏.‏

إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل أبو إسحاق الخواص من أهل سرمن رأى وكان يسافر كثيرًا فتوفي في هذه السنة بالري وغسله ودفنه يوسف بن الحسن بن علي بن المتوكل بن ميمون أبو محمد مولى عبد الصمد بن علي الهاشمي روى عن عاصم وعفان وروى عنه إسماعيل الخطبي وكان ثقة توفي في محرم هذه السنة ‏.‏

الحسن بن محمد بن أحمد بن شعبة أبو علي المروزي قدم بغداد وحدث بجامع الترمذي عن المحبوبي روى عنه العتيقي وقال الأزهري‏:‏ سمعت منه وكان شيخًا فهمًا ثقة له هيبة ‏.‏

توفي في ذي الحجة من هذه السنة ‏.‏

سليمان بن يحيى بن الوليد أبو أيوب الضبي المقرئ قرأ القرآن بحرف حمزة وكان شيخًا صالحًا يقرئ في مدينة المنصور ‏.‏

وسمع الحديث من خلف بن هشام وغيره روى عنه أبو بكر ابن الأنباري وأبو الحسين ابن المنادي القاسم بن عبيد الله بن سليمان الوزير وزير المعتضد والمكتفي وفوض إليه المكتفي جميع الأمور ومرض في رمضان في هذه السنة فأمر أن يطلق العمال من الحبوس ويكفل من عليه مال ويطلق من في الحبس من العلويين الذي أخذوا ظلمًا بسبب القرمطي الناجم بالشام وزادت علته فاستخلف ابن أخيه أبا أحمد عبد الوهاب بن الحسن بن عبيد الله فجاء يعرض على المكتفي فلما خرج من بين يديه تمثل المكتفي‏:‏ ولما أبى إلا جماحًا فؤاده ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل تسلى بأخرى غيرها فإذا الذي تسلى بها تغريى بليلى ولا تسلي توفي القاسم يوم الأربعاء لست خلون من ذي القعدة وكان قد وجه صدر نهاره بالعباس بن الحسن أبي أحمد وأبي الحسن علي بن عيسى إلى المكتفي وكتب معهما كتابًا إليه يخبره أنه في آخر ساعة من ساعات الدنيا ويسأله التفضل على ولده ومخلفيه ويشير عليه بأن يستكتب بعده أحد الرجلين اللذين أنفذهما إليه فاختار استكتاب العباس وخرجا بالجواب إليه وتوفي في تلك الساعة ‏.‏

قال أبو بكر الصولي‏:‏ ومن العجائب التي رأيتها أنا كنا نبكر لعيادة القاسم بن عبيد الله كل يوم فدخلنا يوم الأربعاء الذي توفي فيه إلى داره فرأينا ابنيه‏:‏ أبا علي وأبا جعفر قد خرجا فقام الناس إليهما ودنا العباس بن الحسن فقبل يديهما فمات القاسم في بقية اليوم وخوطب العباس بالوزارة فرأيته بعد العصر وقد صار إلى دار القاسم فخرج الولدان جميعًا فقبلا يده وكان الحاصل من ضياع القاسم في كل سنة سبعمائة ألف دينار ‏.‏

محمد بن أحمد بن البراء بن المبارك أبو الحسن العبدي سمع خلف بن هشام وعلي بن المديني وأحمد بن إبراهيم الدورقي وغيرهم وكان ثقة صدوقًا ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزازة قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن ثابت أخبرنا أبو العلاء الواسطي ‏.‏

حدثنا محمد بن أحمد بن حماد الكوفي حدثنا الحسن بن إسماعيل الكندي قال‏:‏ حدثني أبو جعفر بن البراء قال‏:‏ اتصل بعمي أبي الحسن عن القاضي إسماعيل بن إسحاق شيء فعزم إسماعيل على الركوب إليه فبادره عمي أبو الحسن بالركوب فلما دخل عليه أنشأ يقول‏:‏ صفحت برغمي عنك صفح ضرورة إليك وفي قلبي ندوب من العتب فأجابه إسماعيل يقول‏:‏ توفي أبو الحسن بن البراء في شوال هذه السنة ‏.‏

محمد بن أحمد بن النضر بن عبد الله بن مصعب أبو المعنى ابن بنت معاوية بن عمرو الأزدي ولد في سنة ست وتسعين ومائة وسمع جده معاوية والقعنبي وغيرهما روى عنه ابن صاعد وابن مخلد وأبو بكر النجاد وغيرهم قال عبد الله بن أحمد ومحمد بن عبدوس‏:‏ هو ثقة لا بأس به ‏.‏

أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا الخطيب قال‏:‏ حدثنا ابن رزق أخبرنا إسماعيل بن علي قال‏:‏ مات أبو بكر محمد بن أحمد بن النضر يوم الجمعة قبل الصلاة ‏.‏

ودفن وقت العصر وذلك لخمس خلون من صفر سنة إحدى وتسعين ومائتين ‏.‏

ودفن في مقابر باب الشام ‏.‏

محمد بن إبراهيم بن سعيد بن عبد الرحمن أبو عبد الله العبدي البوشنجي شيخ أهل الحديث في عصره سمع بمصر والحجاز والكوفة والبصرة وبغداد والشام وحدث في البلاد وروى عنه البخاري ومحمد بن إسحاق الصغاني محمد بن محمد بن إسماعيل بن شداد أبو عبد الله الأنصاري القاضي المعروف بالجذوعي حدث عن مسدد بن مسرهد وعلي بن المديني وابن نمير وغيرهم وروى عنه أبو عمرو بن السماك وغيره وكان ثقة ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني علي بن المحسن القاضي قال‏:‏ أخبرني أبي قال‏:‏ قال أبو الحسين محمد بن علي بن الخلال البصري‏:‏ حدثني أبي وسمعته من غيره‏:‏ أن القضاة والشهود بمدينة السلام ادخلوا على المعتمد على الله للشهادة عليه في دين كان عليه اقترضه عند الإضاقة بالانفاق على صاحب الزنج فلما مثلوا بين يديه قرأ عليهم إسماعيل بن بلبل الكتاب ثم قال‏:‏ أن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه يأمركم بأن تشهدوا عليه بما في هذا الكتاب فشهد القوم حتى بلغ الكتاب إلى الجذوعي القاضي فأخذه بيده وتقدم إلى السرير وقال‏:‏ يا أمير المؤمنين أشهد عليك بما في هذا الكتاب فقال‏:‏ اشهد فقال‏:‏ إنه لا يجوز أن أشهد أو تقول نعم اشهد علي قال‏:‏ نعم فشهد في الكتاب ثم خرج فقال المعتمد‏:‏ من هذا فقيل له‏:‏ الجذوعي البصري فقال‏:‏ وما إليه قالوا‏:‏ ليس إليه شيء فقال‏:‏ مثل هذا لا ينبغي أن يكون مصروفًا فقلدوه واسطاُ فقلده إسماعيل وانحدر ‏.‏

فاحتاج الموفق يومًا إلى مشاوره الحاكم فيما يشاور في مثله فقال‏:‏ استدعوا القاضي فحضر وكان قصيرًا وله دنية طويلة فدخل في بعض الممرات ومعه غلام له فلقيه غلام كان للموفق وكان شديد التقدم عنده وكان مخمورًا فصادفه في مكان خال من الممر فوضع يده على دنيته حتى غاص رأسه فيها فتركه ومضى ‏.‏

فجلس الجذوعي في مكانه وأقبل غلامه حتى فتقها وأخرج رأسه منها وثنى رداءه على رأسه وعاد إلى داره وأحضر الشهود فأمرهم بتسليم الديوان ورسل الموفق يترددون وقد سترت الحال عنه حتى ذكر بعض الشهود لبعض الرسل الخبر فعاد إلى الموفق فأخبره بذلك فأحضر صاحب الشرطة وأمره بتجريد الغلام وحمله إلى باب دار القاضي وضربه هنالك ألف سوط وكان والد هذا الغلام من جلة القواد ومحله محل من لوهم بالعصيان لأطاعه أكثر الجيش فلم يقل شيئًا وترجل القواد وصاروا إليه وقالوا‏:‏ مرنا بأمرك فقال‏:‏ إن الأمير الموفق اشفق عليه مني فمضى القواد بأسرهم مع الغلام إلى باب دار الجذوعي فدخلوا إليه وضرعوا له فأدخل صاحب الشرطة والغلام وقال له‏:‏ لا تضربه فقال‏:‏ لا أقدم على خلاف الموفق فقال‏:‏ فإني أركب إليه وأزيل ذلك عنه فركب فشفع له وصفح عنه ‏.‏

وتوفي الجذوعي يوم السبت لست خلون من جمادى الآخرة من هذه السنة ببغداد ‏.‏

 ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ الفداء بين المسلمين والروم وكانت جملة من فودي به من المسلمين ألفًا ومائتي نفس ثم غدر الروم فانصرفوا ورجع المسلمون بمن بقي معهم من الأسارى للروم ‏.‏

وخرج محمد بن سليمان إلى مصر فزحف هارون بن خمارويه لقتال محمد بن سليمان فدخل محمد الفسطاط وأخذ آل طولون وكانوا بضعة عشر رجلًا فقتلهم وحبسهم واحتوى على دورهم وجبى الخراج ‏.‏

وزادت في هذه السنة دجلة زيادة مفرطة فانهدمت المنازل على شاطئيها من الجانبين ونبعت المياه من المواضع القريبة منها ‏.‏

وطلع كوكب الذنب وقت المغرب لعشر خلون من رجب في آخر برج الحوت ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن العباس بن محمد ‏.‏

 ذكر من توفى في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن عمرو بن عبد الخالق كان حافظًا للحديث وتوفي بالرملة في هذه السنة ‏.‏

إبراهيم بن عبد الله بن مسلم أبو مسلم البصري المعروف بالكجي والكشي ولد سنة مائتين وعاش اثنتين وتسعين سنة ‏.‏

سمع محمد بن عبد الله الأنصاري وأبا عاصم النبيل والقعنبي وغيرهم وروى الحديث وكان عامًا ثقة جليل القدر وأملى على الناس وكان في مجلسه سبعة مستملين كل واحد يبلغ صاحبه الذي يليه وكتب الناس عنه قيامًا بأيديهم المحابر ثم مسح المكان وحسب من حضر بمحبرة فبلغوا نيفًا وأربعين ألف محبرة سوى النظارة وكان نذر أن يتصدق إذا حدث بعشرة آلاف درهم ‏.‏

أخبرنا محمد بن ناصر قال‏:‏ أخبرنا محمود بن الفضل أبو نصر الأصبهاني قال‏:‏ سمعت أبا حفص بن عمر بن أحمد بن عمر السمسار يقول‏:‏ سمعت جماعة من أصحاب الفاروق بن عبد الكبير الخطابي يقولون‏:‏ سمعنا الفاروق بن عبد الكبير يقول‏:‏ لما فرغنا من قراءة كتاب السنن على أبي مسلم الكجي اتخذ لنا مأدبة انفق فيها ألف دينار ‏.‏

وقال‏:‏ شهدت اليوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل قولي وحدي ولو شهدت على دستجة بقل لاحتجت إلى شاهد آخر يشهد معي أفلا اصنعه شكرًا لله تعالى ‏.‏

وبلغني عن إسماعيل القاضي قال‏:‏ سمعت بعض مشايخنا يقول‏:‏ كان أبو مسلم الكجي من قبل أن يحدث يجهز التمر من البصرة إلى بغداد وكان له ههنا وكيل يبيعه له فلما حدث بعث إلى وكيله‏:‏ إني قد حدثت وصدقت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏

فتصدق بما عند من التمر أو بثمنه إن كنت بعته شكرًا لله تعالى على ذلك ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا‏:‏ أبو بكر أحمد بن علي الحافظ قال‏:‏ أخبرنا أبو محمد عبد الله بن علي بن محمد القرشي حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي قال‏:‏ حدثني أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري الكجي قال‏:‏ خرجت يومًا سحرًا فغرني القمر وكان يومًا باردًا فإذا الحمام قد فتح فقلت أدخل إلى الحمام قبل مضيي في حاجتي فدخلت فقلت للحمامي‏:‏ يا حمامي أدخل حمامك أحد فقال‏:‏ لا فدخلت الحمام فساعة فتحت الباب قال لي قائل‏:‏ أبو مسلم أسلم تسلم ‏.‏

ثم أنشأ يقول‏:‏ لك الحمد إما على نعمة وإما على نقمة تدفع تشاء فتفعل ما شئته وتسمع من حيث لا يسمع قال‏:‏ فبادرت فخرجت وأنا جزع فقلت للحمامي‏:‏ أليس زعمت أنه ليس في الحمام أحد فقال لي‏:‏ هل سمعت شيئًا فأخبرته بما كان فقال‏:‏ ذاك جني يتراءى لنا في كل حين وينشد أيها المذنب المفرط جهلا كم تمادى وتركب الذنب جهلا كم وكم تسخط الجليل بفعل سمج وهو يحسن الصنع فعلا كيف تهدا جفون من ليس يدري أرضى عنه من على العرش أم لا أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ أخبرنا ابن رزق قال‏:‏ أخبرنا إسماعيل بن علي الخطبي قال‏:‏ مات أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي يوم الأحد لسبع خلون من المحرم سنة اثنتين وتسعين ومائتين وأحدر به إلى البصرة فدفن هناك ‏.‏

إدريس بن عبد الكريم أبو الحسن الحداد المقرئ صاحب خلف بن هشام‏:‏ ولد سنة تسع وتسعين ومائة وسمع أحمد ويحيى وغيرهما ‏.‏

روى عنه أبو بكر الأنباري والنجاد والخطبي وأبو علي بن الوصاف ‏.‏

وسئل عنه الدارقطني فقال‏:‏ ثقة وفوق الثقة بدرجة ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني أبو القاسم الأزهري حدثنا طالب بن عثمان قال‏:‏ سمعت ابن مقسم قال‏:‏ كنت عند أبي العباس أحمد بن يحيى إذ جاء إدريس الحداد فأكرمه وحادثه ساعة وكان إدريس قد أسن فقام من مجليسه أرى بصري في كل يوم وليلة يكل وطرفي عن مداه يقصر ومن يصحب الأيام تسعين حجة يغيرنه والدهر لا يتغير لعمري إن أصبحت أمشي مقيدًا لما كنت أمشي مطلق القيد أكثر توفي إدريس يوم الأضحى من هذه السنة ‏.‏

الحسن بن سعيد بن مهران أبو علي الصفار المقرئ من أهل الموصل قدم بغداد وحدث بها عن غسان بن الربيع ومعلى بن مهدي وغيرهما ‏.‏

روى عنه ابن مخلد وأبو بكر الشافعي وكان متعفنًان وتوفي في هذه السنة ‏.‏

عبد الحميد بن عبد العزيز أبو خازم‏:‏ القاضي الحنفي أصله من البصرة وسكن بغداد وحدث عن بندار ومحمد بن المثنى وغيرهما ‏.‏

ولي القضاء بالشام والكوفة وبغداد وكان عالمًا ورعًا ثقة قدوة في العلوم غزير العقل والدين

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا علي بن المحسن أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر قال‏:‏ أخبرني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي قال‏:‏ قال لي ابن حبيب الذارع‏:‏ كنا ونحن أحداث مع أبي خازم وكنا نقعده قاضيًا ونتقدم إليه في الخصومات ‏.‏

قال‏:‏ فما مضت الأيام والليالي حتى صار قاضيًا ‏.‏

قال أبو الحسين‏:‏ وبلغ من شدته في الحكم أن المعتضد وجه إليه بطريف المخلدي فقال له‏:‏ إن لي على الضيعي بيعًا وكان للمعتضد ولغيره مال وقد بلغني أن غرماءه أثبتوا عندك وقد قسطت لهم من ماله فاجعلنا كأحدهم ‏.‏

فقال له أبو خازم‏:‏ قل له‏:‏ أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - ذاكر لما قال لي وقت ما قلدني أنه قد أخرج الأمر من عنقه وجعله في عنقي ولا يجوز لي أن أحكم في مال رجل لمدع إلى بينة ‏.‏

فرجع إليه طريف فأخبره فقال‏:‏ قل له فلان وفلان يشهدان - يعني رجلين جليلين كانا في ذلك الوقت - فقال‏:‏ يشهدان عندي وأسأل عنهما فإن زكيا قبلت شهادتهما وإلا أمضيت ما ثبت عندي فامتنع أولئك من الشهادة فزعًا ولم يدفع إلى المعتضد شيئًا ‏.‏

وأخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا التنوخي قال‏:‏ أخبرني أبي قال‏:‏ حدثني علي بن هشام بن عبد الله الكاتب قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ حدثني وكيع القاضي قال‏:‏ كنت أتقلد لأبي خازم وقوفًا في أيام المعتضد منها وقوف الحسن بن سهل فلما استكثر المعتضد من عمارة القصر الحسني أدخل إليه بعض وقوف الحسن بن سهل التي كانت مجاورة للقصر وبلغت السنة إلى آخرها وقد جبيت مالها إلا ما أخذه المعتضد فجئت إلى أبي خازم فعرفته اجتماع مال السنة واستأذنته في قسمته في سبيله فقال لي‏:‏ فهل جبيت ما على أمير المؤمنين فقلت له‏:‏ ومن يجسر على مطالبة الخليفة فقال‏:‏ والله لاقسمت الارتفاع أو تأخذ ما عليه والله لئن لم يزح العلة لا وليت له عملًا ثم قال‏:‏ امض إليه الساعة فطالبه فقلت‏:‏ من يوصلني فقال‏:‏ امض إلى صافي الحرمي وقل له إنك رسولي أنفذتك في مهم فإذا ما قلت لك ‏.‏

فجئت فقلت لصافي ذلك فأوصلني وكان آخر النهار فلما مثلت بين يدي الخليفة ظن أن أمرًا عظيمًا قد حدث وقال‏:‏ هيه قل كأنه متشوف ‏.‏

فقلت له‏:‏ إني ألي لعبد الحميد قاضي أمير المؤمنين وقوف الحسن بن سهل وفيها ما قد أدخله أمير المؤمنين إلى قصره ولما جبيت مال هذه السنة امتنع من تفرقته إلا أن أجيء بما على أمير المؤمنين وأنفذني الساعة قاصدًا لهذا السبب وأمرني أن أقول أني حضرت في مهم لأصل قال‏:‏ فسكت ساعة مفكرًا ثم قال‏:‏ أصاب عبد الحميد يا صافي هات الصندوق فأحضر صندوقًا لطيفًا فقال‏:‏ كم يجب لك فقلت‏:‏ الذي جبيت عام أول من ارتفاع هذه العقارات أربعمائة دينار فقال‏:‏ فكيف حذقك بالنقد والوزن قلت‏:‏ أعرفهما قال‏:‏ هاتوا ميزانًا فجيء بميزان وأخرج من الصندوق دنانير عينًا فوزن لي منها أربعمائة دينار فقبضتها وانصرفت إلى أبي خازم بالخبر فقال‏:‏ أضفها إلى ما قد اجتمع من مال الوقف عند وفرقه في غد في سبله ولا تؤخر ذلك ففعلت وكثر شكر الناس لأبي خازم بهذا السبب وإقدامه على الخليفة بمثل ذلك وشكرهم للمعتضد في إنصافه ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا التنوخي قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ حدثني أبو الفرج طاهر - ابن محمد الصلحي قال‏:‏ حدثني القاضي أبو طاهر محمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر قال‏:‏ بلغني أن أبا خازم القاضي جلس في الشرقية وهو قاضيها للحكم فارتفع إليه خصمان فاجترأ أحدهما بحضرته إلى ما يوجب التأديب فأمر بتأديبه فأدب فمات في الحال فكتب إلى المعتضد من المجلس‏:‏ أعلم أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أن خصمين حضراني فاجترأ أحدهما إلى ما وجب عليه معه الأدب عندي فأمرت بتأديبه فأدب فمات فإذا كان المراد بتأديبه مصلحة المسلمين فمات في الأدب فديته واجبة في بيت مال المسلمين فإن رأى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أن يأمر بحمل الدية لأحملها إلى ورثته فعل ‏.‏

فعاد الجواب إليه بأنا قد أمرنا بحمل الدية إليك وحمل إليه عشرة آلاف درهم فأحضر ورثة المتوفى ودفعها إليهم ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ ذكر لي الحسين بن علي الصيمري قال‏:‏ كان عبيد الله بن سليمان قد خاطب أبا خازم في بيع ضيعة ليتيم تجاور بعض ضياعه فكتب إليه‏:‏ إن رأى الوزير أعزه الله أن يجعلني أحد رجلين‏:‏ أما رجل صين الحكم به أو رجل صين الحكم عنه ‏.‏

أخبرنا محمد بن أبي طاهر البزار قال‏:‏ أخبرنا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال‏:‏ حدثنا أبو الحسين علي بن هشام قال‏:‏ سمعت القاضي أبا جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي يحدث أبي قال‏:‏ حدثني أبو خازم القاضي قال‏:‏ كان حجري أيتام ذكور وإناث خلفهم بعض العمال ورددت أمانتهم إلى بعض الشهود فصار إلي الأمين يومًا وعرفني أن عامل المستغلات ببغداد الذي يتولى مستغلات السلطان وعامل بادوريا قد أدخلا أيديهما في أملاك الأيتام وذكرا أن الوزير عبيد الله بن سليمان أمرهما بذلك عن أمر أمير المؤمنين المعتضد فصرت إلى المعتضد في يوم موكب فلما انقضى الموكب دنوت منه وشرحت له الصورة فقال لي‏:‏ يا عبد الحميد هذا عامل قد خانني في مالي واقتطعه ولي عليه مال جليل من نواح كان يتولاها من ضيعتي خاصة ومالي عليه يضعف هذه الأملاك التي خلفها فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين ما تدعيه عليه يحتاج إلى بينة وقد صح عندي أن هذه الأملاك أملاكه يوم مات ولا طريق إلى انتزاعها من يد وارثه إلا بينة هذا حكم الله في البالغين فكيف في الأطفال قال‏:‏ فسكت ساعة مطرقًا ثم دعا أنبأنا محمد بن أبي طاهر أنبأنا علي بن المحسن عن أبيه قال‏:‏ حدثني الحسين بن عياش القاضي عمن حدثه أنه كان يساير أبا خازم القاضي في طريق فمر عليه رجل فقال‏:‏ أحسن الله جزاءك أيها القاضي في تقليدك فلانًا القضاء ببلدنا فإنه عفيف فصاح عليه أبو خازم وقال‏:‏ اسكت عافاك الله تقول في قاض أنه عفيف‏!‏ هذا من صفات أصحاب الشرطة والقضاة فوقها ‏.‏

قال‏:‏ ثم سرنا وهو واجم ساعة فقلت‏:‏ ما لك يا أيها القاضي فقال‏:‏ ما ظننت أني أعيش حتى أسمع هذا ولكن قد فسد الزمان وبطلت هذه الصناعة ولعمري لقد دخل فيها من يحتاج الفاضل معه إلى التقريظ وما كان الناس يحتاجون إلى أن يقولوا‏:‏ فلان القاضي عفيف حتى تقلد فلان - وذكر رجلًا وقال‏:‏ لا أحب أن أسميه - فقلت‏:‏ من هذا الرجل فامتنع فألححت عليه فأومأ إلى أبي عمر ‏.‏

توفي أبو خازم في هذه السنة وذكر بعض علماء النقل أنه دفن بالكوفة ‏.‏

الفضل بن محمد أبو برزة الحاسب ‏.‏

حدث عن يحيى الحماني روى عنه عبد الباقي بن قانع وكان ثقة جليل القدر ‏.‏

توفي في صفر هذه السنة ‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ أنه ورد الخبر أن أخا الحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة ظهر بالدالية من طريق الفرات واجتمع إليه جماعة من الاعراب والمتلصصة وانه قد عاث بتلك الناحية وحارب أهلها فخرج إليه الجند ‏.‏

ثم ورد الخبر أنه صار إلى طبرية فامتنعوا من إدخاله فحاربهم حتى دخلها فقتل عامة من بها من الرجال والنساء ونهبها وانصرف إلى ناحية البادية ‏.‏

وفي شهر ربيع الآخر ورد الخبر بأن الداعية الذي بنواحي اليمن صار إلى مدينة صنعاء فحاربه أهلها فظفر بهم فقتلهم إلا القليل وتغلب على سائل مدن اليمن ‏.‏

ثم نبغ قوم من القرامطة فنهبوا بلد هيت وقتلوا خلقًا من أهلها وأخذوا ما قدروا عليه من المال وأوقروا ثلاثة آلاف راحلة فبعث السلطان إليهم فتفرقوا وجاءوا برأس رئيسهم فسلموا ‏.‏

ثم نبغ منهم آخرون وجرت لهم حروب ودخلوا الكوفة حين انصرف الناس من صلاة عيد الأضحى وهم ثماني مائة فارس ونادوا‏:‏ يالثارات الحسين - يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب على الجسر - وشعارهم يا أحمد يا محمد - يعنون المقتولين معه - وأظهروا الأعلام البيض فقتلوا من أدركوا وسلبوا وبادر الناس إلى المدينة فدخلوها ودخل من القرامطة خلفهم نحو من خمسمائة فرماهم العوام بالحجارة وألقوا عليهم الستر فخرجوا بعد أن قتل منهم نحو من عشرين ونصب المقياس على دجلة من جانبيها طوله خمس وعشرون ذراعًا على كل ذراع علامة مدورة وعلى كل خمسة أذرع علامة مربعة مكتوب عليها بحديدة علامة الأذرع تعرف بها مبالغ الزيادات وضمن محمد بن جعفر بادوريا بعشرة آلاف كر حنطة وشعير نصفان وبألف ألف وستمائة ألف درهم ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمي ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

عبد الله بن محمد أبو العباس الناشىء الشاعر الأنباري أقام ببغداد مدة وكان يقصد الرد على الشعراء والمنطقيين والعروضيين فلم يلتفت إليه لشدة أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا علي بن أبي علي لفظًا قال حدثنا محمد بن العباس الخزاز قال‏:‏ حدثني محمد بن خلف بن المرزبان قال‏:‏ اجتمع عندي أحمد بن أبي طاهر والناشىء بن محمد وآخر فدعوت لهم مغنية فأخذ الناشىء رقعة فكتب فيها ‏.‏

فديتك لو أنهم أنصفوك لردوا النواظر عن ناظريك تردين أعيننا عن سواك وهل تنظر العين إلا إليك وهم جعلوك رقيبًا علينا فمن ذا يكون رقيبًا عليك ألم يقرأوا ويحهم ما يرو - ن من وحي حسنك في وجنتيك قال‏:‏ فشغفنا بالأبيات فقال ابن أبي طاهر أسنت والله وأجملت قد والله حسدتك على هذه الأبيات والله لا جلست وقام فخرج ‏.‏

عبيد الله بن محمد بن خلف أبو محمد البزار صاحب أبي ثور الفقيه سمع جماعة وكان عنده فقه أبي ثور وروى عنه أبو عمرو بن السماك والخلدي وكان ثقة وتوفي في رجب هذه السنة

أبو محمد المروزي سمع قتيبة وابن راهويه روى عنه عبد الباقي بن قانع وأحمد بن كامل ‏.‏

وكان ثقة حافظًا عالمًا زاهدًا وتوفي في ليلة عرفة من هذه السنة عمر بن حفص أبو بكر السدوسي سمع عاصم بن علي وكامل بن طلحة روى عنه ابن صاعد والخلدي وكان ثقة ‏.‏

وتوفي في صفر هذه السنة ‏.‏

محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن كامجر المعروف والده بإسحاق بن أبي إسرائيل‏:‏ مروزي الأصل سكن بغداد وكان يخضب بالحمرة وتوفي في هذه السنة ‏.‏

محمد بن جعفر بن سهل أبو أحمد الختلي حدث عن عبد الله بن أحمد بن عيسى الفسطاطي ‏.‏

روى عنه زكريا بن يحيى والد المعافى بن زكريا نزل مصر وحدث بها عن أبي بكر شيبة وغيره روى عنه الطبراني وكان ثقة ‏.‏

وتوفي بمصر يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول وقيل توفي في جمادى الأولى من هذه السنة ‏.‏

نصر بن أحد بن نصر بن عبد العزيز أبو محمد الكندي الحافظ المعروف بنصرك وكان أحد أئمة الحديث وسمع خلقًا كثيرًا وكان قد أخذه إليه خالد بن أحمد الذهلي أمير بخارا وأقام عنده وصنف له المسند وقد روى عنه أبو العباس بن عقدة وتوفي ببخارا في هذه السنة ‏.‏

يحيى بن عبد الباقي بن يحيى بن يزيد أبو القاسم الثغري من أهل أذنة قدم بغداد فحدث بها عن لوين وغيره روى عنه ابن صاعد وابن المنادي وابن السماك وأكثر الناس عنه الكتابة لثقته وضبطه وحفظه وتوفي بطرسوس في هذه السنة ‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ أن القرامطة اعترضوا قافلة الحاج في طريق مكة بالعقبة فقتلوهم وسبوا من النساء ما أرادوا واحتووا على ما في القافلة فأخذوا ما قيمته ألفي دينار فلما ورد الخبر على السلطان أشخص أبا عبد الله محمد بن داود الهاشمي الكاتب إلى الكوفة لتسريح الجيوش منها إلى القرمطي لحربه فأعطى مالًا كثيرًا ليفرقه في الجند ومعه محمد بن سعيد الأزرق كاتب الجيش ثم صار القرمطي إلى الشقوق فأقام بها بموضع يعرف بالطليح ينتظر القافلة الأخرى فلما وافته لقيهم بالهبير فحاربوه يومهم إلى الليل ثم انصرف عنهم فلما أصبح عاودهم القتال فلما كان في اليوم الثالث عطش أهل القافلة وهم على غير ماء فاقتتلوا ثم استسلموا فوضع فيهم السيف فلم يفلت إلا اليسير منهم وأخذوا جميع ما في القافلة ‏.‏

فأرسل السلطان من بني شيبان ألفين ومائتي فارس إلى القرمطي لحربه وسار زكرويه إلى فيد وراسل أهلها فلم يظفر منهم بشيء فتنحى إلى النباج ثم إلى حفر أبي موسى ثم أنهض المكتفي وصيف بن صوارتكين ومعه جماعة من القواد فنفذوا من القادسية على طريق خفان فلقيهم وصيف يوم السبت لثمان بقين من ربيع الأول فاقتتلوا يومهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ‏.‏

وخلصوا إلى زكرويه فضرب بالسيف ضربة خالطت دماغه وأسروا جماعة من أهله وأصحابه وفي هذه السنة طلع كوكب الذنب من ناحية المغرب وكثرت الأمطار حتى غرقت المنازل واستتم المجلس المعروف بالتاج على دجلة بالقصر الحسني لسبع بقين من شعبان ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

جعفر بن شعيب بن إبراهيم أبو محمد الشاشي سمع من يحيى بن أكثم وغيره قدم بغداد حاجًا وحدث بها فروي عنه إسماعيل بن علي الخطبي وكان ثقة وتوفي في هذه السنة ‏.‏

بالشاش الحسين بن الكميت بن البهلول بن عمر أبو علي الموصلي قدم بغداد وحدث بها عن غسان بن الربيع وابن المديني روى عنه ابن السماك الخطبي وكان ثقة وتوفي في هذه السنة

الحسين بن محمد وهو ابن بنت حاتم بن ميمون المعدل سمع من خلق كثير روى عنه أبو سهل بن زياد وأبو بكر الشافعي وكان ثقة حافظًا متقنًا سكن قطيعة بن عيسى بن علي الهاشمي على دجلة وكان من المتقدمين في حفظ المسند خاصة ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي أخبرنا أبو سعد الماليني إجازة قال‏:‏ أخبرنا ابن عدي قال‏:‏ سمعت أحمد بن محمد بن سعيد يقول‏:‏ كنا نحضر مع عبيد عند الشيوخ وهو شاب فينتخب لنا فإذا أخذ الكتاب في يده طار ما في رأسه فنكلمه فلا يجيبنا فإذا خرجنا قلنا له‏:‏ كلمناك فلم تجبنا ‏.‏

قال‏:‏ إذا أخذت الكتاب بيدي يطير ما في رأسي فيمر بي حديث الصحابي فكيف أجيبكم وأنا أحتاج أفكر في مسند ذلك الصحابي من أوله إلى آخره هل الحديث فيه أم لا وإن لم أفعل ذلك خفت أن أزل في الانتخاب وأنتم شياطين قد قعدتم حولي تقولون لم أنتخبت لنا هذا وهذا حدثناه فلان أو كما قال توفي عبيد في صفر هذه السنة ‏.‏

صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب أبو علي الأسدي مولى أسد بن خزيمة‏:‏ ولد بالكوفة سنة عشر ومائتين ولقي المشايخ بالشام ومصر وخراسان وانتقل عن بغداد فسكن بخارا وكان قد سمع من علي بن الجعد وخالد بن خداش وأبي نصر التمار وهدبة وابن المديني وغيرهم ‏.‏

وكان صدوقًا أمينًا من الحفاظ الثقات وكان يلقب جزرة وكان السبب أنه قرأ على بعض المشايخ في حداثته كان لأبي أمامة خرزة يرقي بها المريض فصحف فقال‏:‏ جزرة بذلك ‏.‏

وتوفي ببخارا في هذه السنة وقيل‏:‏ في سنة ثلاث ‏.‏

محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أبو علي الهاشمي المعروف بالبياضي حدث عنه ابن الأنباري وابن مقسم ‏.‏

وكان ثقة وليس بمنسوب إلى بني بياضة فإن أولئك من الأنصار وإنما سمي البياضي لأنه حضر يومًا مجلس الخليفة وكان أهل المجلس عليهم السواد وكان لباسه أبيض فقال الخليفة‏:‏ من ذلك البياضي فثبت ذلك الاسم عليه ‏.‏

وقتله القرامطة في هذه السنة ‏.‏

محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مخلد أبو الحسن المروزي المعروف بابن راهويه ولد بمرو ونشأ بنيسابور وسافر البلاد وسمع من أبيه وأحمد بن حنبل والمشايخ ‏.‏

وحدث ببغداد فروى عنه محمد بن مخلد الدوري وإسماعيل بن علي الخطبي وعبد الباقي بن قانع ويقال إنه مات بمرو وليس بصحيح وإنما الصواب ما أخبرنا به عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الواحد حدثنا محمد بن العباس قال‏:‏ قرئ على ابن المنادي وأنا أسمع قال‏:‏ محمد بن‏:‏ إسحاق بن راهويه قتلته القرامطة مرجعه من الحج سنة أربع وتسعين ومائتين وقد كنا سمعنا منه إذ كان بمدينتنا‏:‏ محمد بن إسحاق بن أبي إسحاق أبو العباس الصفار سمع سريج بن يونس وغيره وذكره الدارقطني فقال‏:‏ ثقة ‏.‏

محمد بن الحسن أبو الحسين صاحب النرسي خوارزمي الأصل حدث عن علي بن الجعد وأبي نصر التمار ويحيى وأحمد وابن المديني وغيرهم وفي حديثه لين ‏.‏

توفي بالموصل في هذه السنة ‏.‏

محمد بن الحسن بن الفرج أبو بكر الهمداني المعدل قدم بغداد وحدث بها عن عبد الحميد بن عصام وغيره ‏.‏

روى عنه جعفر الخلدي وأبو بكر محمد بن نصر أبو عبد الله المروزي الفقيه ولد ببغداد ونشأ بنيسابور واستوطن سمرقند وكان أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام ورحل إلى الأمصار في طلب العلم ‏.‏

سمع يحيى بن يحيى وابن راهويه وهدبة وخلقًا كثيرًا من أهل خراسان والعراق والحجاز والشام ومصر وصنف التصانيف الكثيرة ‏.‏

أنبأنا زاهر بن طاهر قال‏:‏ أنبأنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم قال سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد الثقفي يقول‏:‏ سمعت جدي يقول‏:‏ جالست أبا عبد الله محمد بن نصر المروزي أربع سنين فلم أسمعه طول تلك المدة يتكلم في غير العلم ‏.‏

قال الحاكم‏:‏ وسمعت أبا عبد الله محمد بن العباس الضبي يقول‏:‏ سمعت أبا الفضل بن إسحاق بن محمود يقول‏:‏ كان أبو عبد الله المروزي يتمنى على كبر سنه أن يولد له ابن فكنا عنده يومًا من الأيام فتقدم إليه رجل من أصحابه فساره في إذنه بشيء فرفع أبو عبد الله يديه فقال‏:‏ ‏{‏الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل‏}‏‏.‏

ثم مسح وجهه بباطن كفيه ورجع إلى ما كان فيه فرأينا أنه استعمل في تلك الكلمة الواحدة ثلاث سنن‏:‏ إحداها أنه سمى الولد والثانية أنه حمد الله تعالى على الموهبة والثالثة‏:‏ أنه سماه إسماعيل لأنه ولد على كبر سنه وقد قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏أولئك الذين هدى اللّه فبهداهم اقتده‏}

قال الحاكم‏:‏ سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ يقول‏:‏ ما رأيت أحسن صلاة من أبي عبد الله محمد بن نصر وكان يقرأ وكان الذباب يقع على أذنه فيسيل الدم فلا يذبه عن نفسه ولقد كنا نتعجب من حسن صلاته وخشوعه وهيئته في الصلاة كان يضع ذقنه على صدره وينتصب كأنه خشبة منصوبة ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا الجوهري قال‏:‏ أخبرنا محمد بن العباس الخزاز أخبرنا أبو عمرو عثمان بن جعفر بن اللبان قال‏:‏ حدثني محمد بن نصر قال‏:‏ خرجت من مصر ومعي جارية لي فركبت البحر أريد مكة فغرقت وذهبت مني ألفا جزء وصرت إلى جزيرة أنا وجاريتي قال‏:‏ فما رأينا فيها أحدًا قال‏:‏ وأخذني العطش فلم أقدر على الماء واجهدت فوضعت رأسي على فخذ جاريتي مستسلمًا للموت فإذا رجل قد جاءني ومعه كوز فقال لي‏:‏ هاه فأخذت وشربت وسقيت الجارية ثم مضى فما أدري من أين جاء ولا أين ذهب ‏.‏

أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني أبو الفرج محمد بن عبيد الله الخرجوشي قال‏:‏ سمعت أحمد بن منصور الشيرازي يقول‏:‏ سمعت أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه يقول‏:‏ سمعت محمد بن عبد الوهاب الثقفي يقول‏:‏ كان إسماعيل بن أحمد الساماني والي خراسان يصل محمد بن نصر المروزي في كل سنة بأربعة آلاف درهم ويصله أخوه إسحاق بن أحمد بأربعة آلاف درهم ويصله أهل سمرقند بأربعة آلاف درهم وكان ينفقها من السنة إلى السنة من غير أن يكون له عيال فقلت له‏:‏ لعل هؤلاء القوم الذين يصلونك يبدولهم فلو جمعت من هذا شيئًا لنائبة فقال‏:‏ سبحان الله أنا بقيت بمصر كذا وكذا سنة فكان قوتي وثيابي وكاغدي وحبري وجميع ما أنفقه على نفسي في السنة عشرين درهمًا فترى إن ذهب هذا لا يبقى ذاك ‏.‏

أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الحافظ قال‏:‏ أخبرنا أبو الوليد الحسن بن محمد الدربندي أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الحافظ قال‏:‏ سمعت أبا صخر محمد بن مالك السعدي يقول‏:‏ سمعت أبا الفضل محمد بن عبيد الله يقول‏:‏ سمعت الأمير أبا إبراهيم إسماعيل بن أحمد يقول‏:‏ كنت بسمرقند فجلست يومًا للمظالم وجلس أخي إسحاق إلى جنبي إذ دخل أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي فقمت له إجلالًا لعلمه فلما خرج عاتبني أخي إسحاق وقال‏:‏ أنت والي خراسان يدخل عليك رجل من رعيتك فتقوم إليه وبهذا ذهاب السياسة ‏.‏

فبت تلك الليلة وأنا متقسم القلب لذلك ورأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام كأني واقف مع أخي إسحاق إذ أقبل النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بعضدي وقال لي‏:‏ يا إسماعيل‏!‏ ثبت الله ملكك وملك بنيك‏!‏ بإجلالك محمد بن نصر ثم التفت إلى إسحاق فقال‏:‏ ذهب ملك إسحاق وملك بنيه باستخفافه بمحمد بن نصر ‏.‏

استوطن محمد بن نصر نيسابور بعد مدة وكان مفتيها واشتغل بالعبادة ثم خرج إلى سمرقند فتوفي بها في محرم هذه السنة ‏.‏

موسى بن هارون بن عبد الله أبو عمران ويعرف والده بالجمال ‏.‏

ولد سنة أربع عشرة ومائتين وسمع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما ‏.‏

وروى عنه أكابر المحدثين والحفاظ وكان إمام أهل عصره وعلامة وقته في الحفظ والمعرفة بالرجال والإتقان وكان ثقة صدوقًا شديد الورع عظيم الهيبة وتوفي في شعبان هذه السنة ودفن بمقبرة باب حرب ‏.‏

أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال‏:‏ سمعت الصوري يقول‏:‏ سمعت عبد الغني بن سعيد يقول‏:‏ أحسن الناس كلامًا على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن المديني في وقته وموسى بن هارون في وقته وعلي بن عمر الدارقطني في وقته أعني موسى بن هارون هذا الذي نحن في ذكره ‏.‏

قال الخطيب‏:‏ ولقد سمعت أكثر مشايخنا يصفونه بالورع العظيم والزهد والتقوى والدين والطريقة الحسنة والمنهاج المستقيم والله أعلم ‏.‏